الجصاص

476

أحكام القرآن

يتيمم مع وجود الماء . قيل له : إنما قلنا بجوازه لأن الوجود هو إمكان استعماله بلا ضرر ولا مشقة ، لأن الله قد ذكر المريض والمسافر ، فعدم الماء على الإطلاق شرط وخوف الضرر باستعماله أيضا شرط ، وأنت فلم تلجأ في اعتبارك الوقت لا إلى آية ولا إلى أثر ، بل الكتاب والأثر يقضيان ببطلان قولك . فإن قيل : لما جازت الصلاة في حال الخوف مع الاختلاف والمشي إلى غير القبلة وراكبا لأجل إدراك الوقت ، دل على وجوب اعتبار الوقت في جوازها بالتيمم إذا خاف فوته . قيل له : إنما أبيحت صلاة الخائف على هذه الوجوه لأجل الخوف لا للوقت ولا لغيره والخوف موجود ، والدليل على ذلك جواز صلاة الخوف في أول الوقت مع غلبة الظن بانصراف العدو قبل خروج الوقت ، فدل على أنها إنما أبيحت للخوف لا ليدرك الوقت ، والتيمم إنما أبيح له لعدم الماء . فنظير صلاة الخوف من التيمم أن يكون الماء معدوما فيجوز له التيمم ، فأما حال وجود الماء فهو بمنزلة زوال الخوف فلا يجوز له فعل الصلاة إلا على هيئتها في حال الأمن . وإنما جعل صلاة الخوف بمنزلة الإفطار للمسافر وبمنزلة المسح على الخفين في أنها رخصة مخصوصة بحال لا لخوف فوات الوقت . وأيضا فإنه إن فات وقته باشتغاله بالوضوء فإنه يصير إلى وقت آخر لها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها " فأخبر أن وقت الذكر مع فواتها وقت لها كما كان الوقت الذي كان قبله وقتا لها ، فإذا كان وقت الصلاة باقيا مع فواتها عن الوقت الأول لم يجز لنا ترك الطهارة بالماء لخوف فواتها من وقت إلى وقت . وقد وافقنا مالك على وجوب الترتيب بين الفائتة وبين صلاة الوقت وأن الفائتة أخص بالوقت من التي هي في وقتها ، حتى إنه لو بدأ بصلاة لوقت قبلها لم تجزه ، فلو كان خوف فوت الوقت مبيحا له التيمم لوجب أن يباح له التيمم بعد الفوات أيضا ، لأن كل وقت يأتي بعد الفوات هو وقت لها لا يسعه تأخيرها عنه ، فيلزم مالكا أن يجيز لمن فاتته صلاة أن يصليها بتيمم في أي وقت كان لأن اشتغاله بالوضوء يوجب تأخيرها عن الوقت المأمور بفعلها فيه والمنهي عن تأخيرها عنه . ولما اتفق الجميع على أنه غير جائز له فعلها بالتيمم مع خوف فوات وقتها الذي هو مأمور بفعلها فيه إذا اشتغل باستعمال الماء ، صح أن الوقت لا تأثير له في ترك الطهارة بالماء إلى التيمم . وأما قول الليث بن سعد " إنه يتيمم ويصلي في الوقت ثم يتوضأ ويعيد بعد الوقت " فلا معنى له ، لأنه معلوم أنه لا يعتد بتلك الصلاة ، فلا معنى لأمره بها وتأخير الفرض الذي عليه تقديمه . مطلب : في حكم المحبوس الفاقد للطهورين واختلف فيمن حبس في موضع قذر لا يقدر على ماء ولا تراب نظيف ، فقال أبو